الذى علَّمنى .. كيف أقرأ !



فيك من يكتم السر ؟؟

يا سيدي .. أنا أملك ثروة ضخمة وعظيمة جداً تركها لي "بابا"، ثروة يجري عليها لعاب أي لصٍ "بيفهم"، دعك من لصوص اليومين دول الذين "ينشلون" الغسيل من فوق الأحبال والذهب من حول الرقاب، والسيارات "الجمارك" من مآربِها أو حتي اللصوص "الفوقيين" و"فوقيين" لا تعني هنا أنهم فوق "راسي" يا باشا أو أو فوق مستوي الشبهات أو فوق القانون - هذه مزحة - ولكن ما علينا .. "فوقي" يعني أنه من الذين يعيشون "فوق" .. لا تراهم ولا تلمسهم، ولكنهم يرونك، و"يظرفونك" يومياً علي قفاك، وقفا اللي خلفوك !

قلت لي أن فيك من يكتم السر .. إذن اعلم، ثروتي ليست مالاً وليست من الذهب وليست جواهر وليست أحجاراً كريمةً، وليست من "الماس" الذي تتزين به النساء .. كلا يا صديقي، والدي لم يكن موهوماً بهذه التفاهات، ولم يكن لديه "حب امتلاك من أجل الامتلاك"، ثروتي من الكتب .

طبعاً أنت تضحك الآن وتصرخ، و"تتشقلب" من فرط الضحك، وتتوسم في العبدلله كل آيات العبث التي تبعث علي السخرية .

فقد ترك لي الحاج - رحمة الله عليه - مكتبة بها ما يتراوح بين الأربعمائة والخمسمائة كتاب .. الحكيم وأنيس منصور وطه حسين ويوسف السباعي ونجيب محفوظ وجابر عصفور ويحيي حقي ومحمد عبدالحليم عبدالله وأحمد رجب والمسيري ومحمد حسين هيكل ويوسف إدريس وعبدالوهاب مطاوع والمازني وإحسان عبدالقدوس ومحمد عطية الإبراشي والشعراوي، وعبدالرحمن الشرقاوي ... ياااااااه كل هذا وأكثر، ومتعدش يا عم !

أذكر أنه كان يومياً يشتري كتاباً .. كل يومٍ كتاب أو اثنين ويضيفهم للمكتبة، وبالتأكيد لم يكن غنياً إلي هذا الحد، ولكن "مكتبة الأسرة" كانت أعمق وأعرض وأطول محيط لكل باحثٍ عن علم أو معرفة، وتوقف عن هذه العادة البديعة منذ ست سنوات تقريباً، يومها توقع أن أبنائه لن يخرجَ من بينهم واحد مثله، ولن يخرج منهم واحدٌ يقرأ ويقرأ ويقرأ ويقرأ، ولا حتي "يقرأ" واحدة، ولم يكن يقرأ كل ما يشتري، وإنما قرأ حوالي ربعها أو أقل، وكان هذا محل جدل دائم بينه وبين الست والدتي - يحفظها الله لنا - فطالما لا يقرأ إلا القليل .. لماذا يشتري الكثير ؟؟ .. يشتري الكثير بل الكثير جداً، ويضيع كل هذا الحيز في هذه "التخاريف" - و قدر الله أن يكون ابنها مخرفاً يتوقع له كثيرون أن يكون مخرفاً كبيراً ومجنوناً علي قديمه .. قولوا "إن شاء الله" - وهذه أبلغ صور سخرية القدر، حقيقة !

ولِمَ يضيع اثنين ثلاثة جنيهات يومياً في هذا الورق الذي لا يهبه أحد طَرفة رمش .. عيش البطون أهم، وهو يرد بالفم المليان "ولكن .. عيش العقول مهم" !

وظل يقنع أخوَيا أن يعوِّدوا نفسيهما علي القراءة فهي - كما يقول - توسع المدارك وتعطي خبرات وتجعلك واعياً، وقرأوا أربعة خمسة كتب ثم اجترهم الملل إلي ضرب الكتب "بالشلاليط" !

خاصة الكتب الأدبية .. فهو كان يحب الأدب عن الكتب الفكرية، باختصار .. الكتب الأدبية أكثر امتاعاً وفائدة، وأعارضه "لا .. الكتب الفكرية أمتع، وأكثر فائدة"، وتظل هذه المناقشة قائمة إلي ما شاء الله، والحق معه ومعي فالفارق بيننا أنه يقرأ ليكون خبيراً بفن الحياة، وأنا أقرأ كى لا "تبور" دماغي .

وفي هذه الأثناء كنت فى الصف الثالث الابتدائي، جاءني مرة بإحدي روايات الأدب العالمي للناشئين المترجمة من اللغة الإنجليزية، ووضع الكتاب بين يدي، و كنت معروفاً بتفوقي الدراسي ففي هذه السنة حصلت علي المركز الأول علي إدارة المنتزة التعليمية، وكنت متفوقاً فى اللغة العربية، وقال لي "اقرأ" .. تلعثمت، وأحرجته فقد استعصت عليَّ أوائل السطور وكان قد راهن أخي علي أنني سأقرأ جيداً، وسأفهم .. فضحك قائلاً "يا ابن الكلب" !!


مهدي مرعي مبارك


3 Response to "الذى علَّمنى .. كيف أقرأ !"

richardCatheart said...

الله يرحمه ويحسن اليه

اكيد فاخور بيك

ربنا يفرحه بيك ويجعلكم زوريه صالحه لعمله فى الدنيا


هو انا لما اشترك فى الفان بتاع الكتاب ممكن اقراه
ولا ايه النظام يا مهدى

معلش روددى متاخره بس لضيق وقتى والله مش اكتر

richardCatheart said...

يا ريت من فضلك تشيل موضوع

الحروف اللى بتطلع للتاكيد على الكومنت مالهاش لزمه

شكرا

Mahdy Moubarak said...

أنا اللى آسف فى التأخير على الرد لأنى مخدت بالى

لأ .. ده دعائى علشان الناس تشترى الكتاب

(:

طيب .. مخليهش الحروف بتاعة التأكيد دى تطلع إزاى ؟

سلامات

Post a Comment